الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

376

نفحات القرآن

وَلَايُقبَلُ مِنهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤخَذُ مِنهَا عَدلٌ وَلَاهُمْ يُنصَرُونَ » . رغم أنّ المخاطبين في هذه الآية هم اليهود - بقرينة الآية السابقة لها - إلّاأنّ حكمها يتّسم بالعمومية ويَسُدّ جميع المنافذ أمام المخالفين ، وأشارت أثناء ذلك إلى أربعة طرق مهمّة تُعتبر وسيلة للنجاة في هذه الدنيا لكثير من المجرمين : الأول : أن تجزي نفس عن نفس ، والثاني : أن يشفع لها محترم ، والثالث : لو دفعت غرامة لجزت عن العقوبة ، والرابع : أن يهب قوم لنصرتها وانقاذها من مخالب العذاب ، لكن أيّاً من هذه الطرق ليس لها وجود يوم القيامة ، والحديث هنا يدور حول نفي الشفاعة هناك نفياً قاطعاً ، ولكن هل يختص ذلك باليهود الذين سلكوا طريق الكفر والعناد ومجانبة الحق ، وقتل الأنبياء ، وبهذا فهي لا تتنافى مع آيات الشفاعة والروايات المتواترة الدالة على أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسائر المعصومين عليهم السلام يشفعون لمذنبي هذه الأمّة ؟ أم أنّ هذه الآية تشير إلى ظن اليهود الذين كانوا يتوهّمون بأنّ آباءهم يشفعون لهم يوم القيامة ، فالآية تبطل هذا الوهم وتجعلهم في يأس منه ؟ أم أنّ ظاهر الآية مطلق وينفي أي نوع من الشفاعة لأيأحد ؟ وتشير الآيات الأُخرى التي ستأتي لاحقاً وكذلك الروايات المتواترة وإجماع الأمّة بأنّ هذه الآية تخص الكفّار والأشخاص الذين لا تشملهم الشفاعة بسبب عِظمِ ذنوبهم ، وعلى هذا فالآية المذكورة ذات طابع عمومي ، والآيات الأخرى ذات صيغة مختصة ، وترفع أي غموض في هذا المجال . وسيأتي شرح هذا الكلام عن قريب إن شاء اللَّه . القسم الثاني : الآيات التي تعتبر الشفاعة خاصّة باللَّه ومنها الآية الثالثة التي ورد فيها بعد الإشارة إلى خلق السماوات والأرض وحاكميَّة اللَّه على كل شيء قوله تعالى : « مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا شَفِيعٍ » . وبناءً على هذا فإنّ الشفيع هو الخالق المدّبر لعالم الوجود لأنّ الشفاعة هي أيضاً نوع من